رعيّة سيّدة السلام
كفرحباب، غزير

كفرحباب

بقلم الأستاذ نقولا قرقماز قرقماز


كفرحباب لفظة سريانية وهي كلمة مركّبة من جزأين: كفر تعني ضيعة أرض. حباب تعني أصحاب، أحبة... وهكذا تعني كفرحباب ضيعة الأحباب أو أرض الأحباب. هي مسطح من اليابسة تقع على تلّة منحدرة تلامس أقدامها أمواج البحر، يتربع على قمتها دير مار أنطونيوس خشبو للرهبنة المارونية اللبنانية حيث يستريح البدر ليلاً قبل أن يتلألأ في قبة السماء

تقع كفرحباب ضمن منطقة غزير العقارية. طبيعتها جميلة، مناخها معتدل، نسيمها الشرقي عليل وناعم، مناظرها خلابة، سهولها خصبة كانت قديماً تزرع شتى أنواع الحبوب كالقمح والشعيروالعدس... وبعض أشجار الفاكهة كالتين والعنب إلى جانب بعض الخضار الموسمية كالبندورة والخيار وهي تستفيد بالري من مياه نبعي فرح والقطين كما هو وارد حتى تاريخه على سندات الملكية- وكفرحباب هي بوابة الساحل إلى الوسط والجرد.

إبان الحرب الكونية الأولى ونظراً للمجاعة وصعوبة العيش هجرها أبناؤها تاركين وراءهم الأطلال والخرائب تروي حكايات الماضي. وهكذا أضحت كفرحباب أرضاً وعرة حفراء نفراء. أرض سليخ تنبت فيها الأعشاب لرعاية الماشية من بقر وغانم وماعز. إلى جانب الأشجارالحرجية السنديان والعفص والبطم حيث تعشعش طيور السماء وتسرح فيها ليلاً الذئاب الضارية، ولا ننسى أشجار الخرنوب التي منها يصنع الدبس وتستخرج بعض الأدوية. كمااشتهرت كفرحباب بأنّها أرض الشوك والبلان والقندول، أرض اللّزاب والقسعين، أرض النهب والتشليح، أرض اللصوص وقطاع الطرق، تعكّر هدوء ليلها أصوات بنات آوى لتصبح كفرحباب أرض الواوية وأرض الحرامية... وحده دكان كفرحباب الواقع في وسطها والمعروف بدكّان القناطر هو الملجأ والملاذ لكلّ عابر سبيل يرتاح فيه الهابط من الجبل إلى المدينة نهاراً ويبيت فيه العائد إلى الضيعة ليلاً خوفاً على حياته من أخطار وماأكثرها تهدّد حياته إذا تابع سيره... وتبقى الإشارة إلى ذاك البناء العتيق المسقوف بالقرميد الأحمر والواقع في أسفل كفرحباب والمعروف بإسم حارة المطران يصطاف في امالكها صاحب الأراضي الواسعة الشاسعة المرحوم منصور الزايك وليس في الأمر غرابة إذ يطيب السكن فيها صيفاً شتاءً كما هي حال الكثيرين من أبنائها في يومنا الحاضر...في مطلع السبعينات شاءت الظروف وأدّت الصدف أن التقيت صاحب الأراضي المفروزة للبيع السّيد منصور الزايك بهدف شراء قطعة أرض وكان سعر المتر آنذاك عشر ليرات لبنانية.يومها قال لي ذاك الشيخ الجليل عبارة ما كنت لأنساها ما حييت وهي:"شوف ياأستاذ كفرحباب بدها تصير جنّة في المستقبل، تبقى تذكرني." وقد صحّ ما قاله رحمه الله

لقد كنت أوّل من اشترى منه عقاراً وشيّد عليه الفيلا التي نسكنها حاليّاً: بناؤها من الحجرالصخري الأبيض المنحوت والمقصوب تجذب الأنظار إذ يراها القادمون من الشمال أوالعائدون من بيروت لوجودها وحيدة في تلك البقعة المطلّة على خليج جونية ترعاها عين سيدة لبنان وتسمح للنظر بالسفر إلى ما وراء الأفق البعيد...

يوم سكنّا في كفرحباب كان الجميع من حولنا في دهشة وحيرة وكم سمعت من همسٍ وغمزٍ حول العيش في تلك البقعة الموحشة المرعبة الخالية، بعيداً عن الأهل والأخ والجار، وربما كانواعلى حقٍّ في رأيهم إذ لم يكن لنا من جيران رغم بعد المسافة سوى عائلة يوسف أبي لطفي وهي من سكّان كفرحباب الأصليين ، ونعمَ العائلة والجار وهي المعروفة بكرمها وحسن ضيافتها وطيبة قلب أبنائها وما هم عليه من نخوة وغيرة واندفاع وقد لمست ذلك شخصيّاً وعشت وإيّاهم مرارة الأيّام السوداء... مع بداية الأحداث المشؤومة التي هبَّت على لبنان عامي 1975-1976 وما تلاها... وقد برز في هذه العائلة أحد أبنائهاالياس الملقّب بالمختار وهو صاحب المشاريع المتنوّعة والنشاطات المتعدّدة وهوالخبير وعنده الخبر اليقين عن كلّ شبر أرض من عقارات كفرحباب، إذ بحوذته جميع خرائط المساحة ويملك مع أخيه طوني مكتباً عقاريّاً قانونيّاً ومعاً يعملان في حقل البيع والسمسرة وهذا ما ساهم في حركتي البناء والعمران...

Social