رعيّة سيّدة السلام
كفرحباب، غزير

 

إلى روح عرّابي الحبيب في الكهنوت

 

 

أبونا الياس، دخلت كنيسة الحبشيّة بعد أسبوع على رحيلك وانتقالك إلى حضن الآب فلم ألتق بطلّتك الباهرة وبنظراتك المشعّة وبنبرتك المرحّبة وببسمتك الأخويّة وبرجوليتك الفريدة وبحكمتك المتجليّة وبمحبتك الملتزمة.

عرفتك صغيراً لمّا قدّمت لي، من يديك الطاهرتين، يسوع في إحتفال مناولتي الأولى لمّا كنت تلميذاً في مدرسة مار فرنسيس. كنت ألتقيك دائماً في إجتماعات إقليم الأخويات حينها كنتَ مرشداً إقليميّاً. كنت أنبهر بسرعة بديهتك وبلطافتك وبحزمك وبقدرتك على حلّ كلّ المشاكل بروح أخويّة وبسلاسة فريدة ومميّزة. علّمتني سنة  1987مادّة السرياني في الإكليريكيّة وتردّدت علينا نحن إكليريكيو الأبرشيّة مقوّياً ومحبّاً وداعماً لنا. تخرّجت من الإكليريكيّة سنة 1992 فطلبت منّي أن أختبرالسنة الرعائيّة معك في الرعيّة. كم وكم من الأوقات أمضيناها سويّة علّمتني خلالهاالكثير الكثير من الأمور العمليّة والرّوحيّة فكنت معجباً بقدراتك وبحكمتك وبإختبارك الواسع وبرصانتك وبجرأتك ولو كنت أحياناً قاسياً في تصرّفاتك ومواقفك التي لم تكن تُفهم بوقتها. لكنّي لم أكن أزعل منك وهذا الغريب فيك يا أبت : "ماكان ينزعل منّك يا أبونا الياس" .محبّتك  لي حملتك على السفر معي إلى فرنسا لتطمئن لحالتي الجديدة بعدما حصلت  على فرصة متابعة دروسي التخصّصيّة في جامعة ليون الكاثوليكيّة. قلت لي "أريد أن أتأكّد أين سيبيت إبني المدلّل وأين سيتابع دروسه وفي أيّة رعيّة سيخدم". طيلة فترة إقامتي في فرنسا لم تتوقّف عن مراسلتي والإطمئنان عن سير حياتي العلميّة والشخصيّة. لايمكنني أن أنسى محبتك ووفاءك لي.  

عدت من فرنسا بعد أن أنهيت دروسي فطلبت مجدّداً أن أعاونك في الخدمة الرعائيّة وكنت لا أزال شمّاساً. كان ذلك في أيلول 2001. إرتسمت كاهناً في 20 كانون الثاني 2002 في غزير وكنت عرّابي فقدّمتني إلى الأسقف وأحطتني وعلّمتني وسهرت على نموّي الرّوحي والرّعوي ووثقت بي ووثقت بك. علّمتني أهميّة الصلاة في حياة الكاهن وقراءة كلمة الحياة وتحضير العظة والقراءة اليوميّة للإطلاع على كلّ جديد والسّهر على أبناء الرعيّة. على الرغم من إختلاف العمر بينك وبيني كنت تعرف أن تصغي إليّ وتنمّي فيّ روح الرعاية والعمل الرعوي وتفعّل فيّ روحا لمبادرة والتفاني في خدمة الرعيّة بكلّ فرح وبدون ملل. صحيح يا أبت وراعيّ كنت صعباً بعض الأحيان وكان عندك طبعك الخاص وردّات فعلك لكنّك كنت تحترمني وتحترم مواهبي وتقدّر رسالتي ومقاربتي للأمور وكنتُ أحترمك وأحترم كلّ مسيرتك وجهادك.

بعد سنتين من العمل معك طلبت منّي الإهتمام بأبناء وبنات كفرحباب الذين كنت تهتم بهم منذ مدّة وتلتقيهم كلّ أحد في كنيسة مار شليطا. فكان مشروعك نبويّاً. وضعت مع فريق عمل واسع مشروع مجمّعها الرّعوي وبدأت ببنائه وطلبت منّي أن أُكمله قائلاً لي "لازم نهتم بأهالي كفرحباب ونؤمن لهم كلّ الخدمات الروحيّة والرعويّة". ها أنا اليوم أتابع ما بدأته، يا عرّابي الحبيب، في هذه المنطقة بكلّ أمانة وأُتمّ ما بدأته أنت على قدر طاقتي والنّعم المعطاة لي ذاكراًومقدّراً ومُجلاً رؤيتك الثاقبة لأبناء وبنات هذه المنطقة. وأنا مدرك اليوم أنّك تصلّي لي وتتشفّع لي لدى الرّب الذي تشاهده وجهاً لوجه وتسأله أن يُعينني في رسالتي الصعبة ليوصل عمله في هذه المنطقة، التي أحببتها وخدمتها، إلى ميناء الأمان.

يا أبونا الياس الحبيب،

من لا يعرفك يجهلك. أنت شخصيّة فريدة طبعت حياتي وأثّرت في مسيرتي الكهنوتيّة. فعلى الرّغم من شخصيّتك القويّة كنت طيّب القلب، مرحاً، محبّاً للحياة، قادراً على التأقلم مع كلّ الظروف والحالات، قريباً من كلّ مريض ومتألّم، كنت متفرّغاً لأبناء رعيّتك، وهذه حالة نادرة اليوم في رعايانا، تعرفهم بأسمائهم وتهتم بأفراحهم وأحزانهم، بابك مفتوح دائماً لهم. أشهد أنّك كنت رجل صلاة وضعت كل ثقتك بمعلّمك يسوع. كنت سعيداً برسالتك. أشهد أنّك أحببت رعيّتك وأنّك عملت ما بوسعك لكي تخدمها. إذا أغمضت عينيّ لا أرى إلا الجميل ممّا أعطيتني إيّاه.أشهد أنّك كنت كاهناً عظيماً. سأفتقدك يا أبونا الياس.

 

                                            الخوري شربل شلالا 
                                    خادم الرعيّة       

 
Social